الشيخ الطبرسي
89
تفسير مجمع البيان
( ولما ضرب ابن مريم مثلا ) اختلف في المراد به على وجوه أحدها . إن معناه ولما وصف ابن مريم شبها في العذاب بالآلهة ، أي فيما قالوه على زعمهم ، وذلك أنه لما نزل قوله : ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) قال المشركون : قد رضينا بأن تكون آلهتنا حيث يكون عيسى ، وذلك قوله : ( إذا قومك منه يصدون ) أي يضجون ضجيج المجادلة ، حيث خاصموك . وهو قوله : ( وقالوا أآلهتنا خير أم هو ) * أي ليست آلهتنا خيرا من عيسى ، فإن كان عيسى في النار بأنه يعبد من دون الله ، فكذلك آلهتنا ، عن ابن عباس ومقاتل وثانيها : إن معناه لما ضرب الله المسيح مثلا بآدم في قوله : ( إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ) أي : من قدر على أن ينشئ آدم من غير أب وأم ، قادر على إنشاء المسيح من غير أب ، اعترض على النبي صلى الله عليه وآله وسلم بذلك قوم من كفار قريش ، فنزلت هذه الآية وثالثها : إن معناه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم لما مدح المسيح وأمه ، وأنه كآدم في الخاصية قالوا : إن محمدا يريد أن نعبده كما عبدت النصارى عيسى ، عن قتادة ورابعها : ما رواه سادة أهل البيت عن علي ، عليهم أفضل الصلوات ، أنه قال : جئت إلى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوما ، فوجدته في ملأ من قريش ، فنظر إلي ثم قال : ( يا علي ! إنما مثلك في هذه الأمة كمثل عيسى بن مريم ، أحبه قوم فأفرطوا في حبه فهلكوا ، وأبغضه قوم فأفرطوا في بغضه فهلكوا ، واقتصد فيه قوم فنجوا ) . فعظم ذلك عليهم فضحكوا وقالوا : يشبهه بالأنبياء والرسل ! فنزلت الآية : ( وقالوا أآلهتنا خير أم هو ) أي آلهتنا أفضل أم المسيح ، فإذا كان المسيح في النار رضينا أن تكون آلهتنا معه ، عن السدي وابن زيد . وقيل : معناه إن آلهتنا خير من المسيح ، فإذا عبد المسيح جاز أن تعبد آلهتنا ، عن الجبائي . وقيل : هو كناية عن محمد صلى الله عليه وآله وسلم والمعنى : آلهتنا خير من محمد صلى الله عليه وآله وسلم وهو يأمرنا بأن نعبده كما عبد النصارى المسيح ، ونطيعه ونترك آلهتنا ، عن قتادة . وقال علي بن عيسى : معنى سؤالهم بقولهم ( أآلهتنا خير أم هو ) أنهم ألزموا ما لا يلزم على ظن منهم وتوهم ، كأنهم قالوا . ومثلنا فيما نعبد ، مثل ما يعبد المسيح ، فأيما خير عبادة آلهتنا ، أم عبادة المسيح ؟ على أنه إن قال عبادة المسيح أقر بعبادة غير الله ، وكذلك إن قال عبادة الأوثان وإن قال : ليس في عبادة المسيح خير ، قصر به عن المنزلة التي أبين لأجلها من سائر العباد . وجوابهم عن ذلك : إن اختصاص المسيح بضرب من التشريف والإنعام عليه ، لا يوجب العبادة له ، كما لا يوجب أن ينعم عليه بأعلى مراتب النعمة .